الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

45

مختصر الامثل

ثم يشير القرآن إلى هذا الأصل وهو أنّ صفحة أعمال الأقوام السابقة لم تنته بموتهم ، بل هي باقية ومسجّلة عليهم ، يقول سبحانه : « وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ » . فكذلك أعمالكم مثبّتة ومحفوظة ليوم الحساب . « زبر » : جمع « زبور » بمعنى الكتاب ، وهي تشير إلى صحيفة أعمال الإنسان . ثم يضيف سبحانه : « وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ » . وبناءً على هذا فحساب الأعمال في ذلك اليوم هو حساب شامل وتامّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، حيث يستلم المجرمون صفحة أعمالهم كاملة ، فيصعقون لهولها ويصطرخون لدقّتها : « وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هذَا الْكِتَابِ لَايُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا » « 1 » . ولما كانت السنّة المتّبعة في القرآن الكريم غالباً ما تعتمد المقارنة بين جبهة الصلاح والهدى من جهة ، وجبهة الفساد والضلال من جهة أخرى ، لأنّ في المقارنة يبرز التفاوت والاختلاف بصورة أفضل ، فهنا أيضاً بعد الحديث عن مصير الكفار والمجرمين يشير سبحانه إشارة مختصرة إلى العاقبة السعيدة والحبور العظيم الذي يكون من نصيب المتقين حيث يقول سبحانه : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ » . وفي آخر آية مورد البحث والتي هي آخر آية في سورة القمر يوضّح الباريء بصورة أكثر ( مستقر المتقين ) حيث يقول سبحانه أنّهم : « فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ » . ويا له من وصف رائع وظريف ! حيث إنّ هذا الوصف يتميّز بخصوصيتين تجمعان كل السمات الرائعة : الأولى : أنّ المكان هو ( مستقرّ صدق ) وليس فيه باطل ، بل كلّه حق يجد فيه المتقون كل ما وعدوا به كاملًا غير منقوص . الثانية : أنّهم في جوار وقرب اللَّه سبحانه ، وهذا هو المستفاد من كلمة ( عند ) والذي يشير إلى غاية القرب المعنوي ، وهذا القرب هو من اللَّه المالك القادر . . . ما أروعه عن قرب من الربّ الكريم الوهّاب والذي يمنح العطايا والهبات لضيوفه المتقين بجميل لطفه وعظيم إحسانه وواسع كرمه ، حيث جميع ما في الوجود تحت قبضته وإمرته ومالكيته ، وهو المنّان

--> ( 1 ) سورة الكهف / 49 .